ماذا حدث في غرفة رقم ٣١؟ تجربتي مع كورس تأمل الفيباسانا (The Silent Retreat)

في ٢٠١٨ أخبرني صديق أنه مسافر إلى ميانمار لقضاء عشر أيام في مركز تأمل على جبال الهيمالايا ليتعلم تقنية تأمل اسمها الفيباسانا، ومن شروط حضور هذا الكورس أن تلتزم بالتخلي عن الاتصال بالعالم الخارجي خلال مدة الدراسة، وأيضًا عن الحديث مع أي شخص من المحيطين بك، فيما يُعرف بالصمت النبيل. الموضوع كان عجيب بعض الشيء لأن صديقي لا يُعرف عنه أنه مغرم بالسفر وليس من المهووسين بالتقاليع الجديدة، لذلك أن يقفز من مصر إلى ميانمار لتعلم تقنية تأمل فهذا شيء يستحق التأمل، ونسيت الموضوع لسنوات طويلة.


وبعد حوالي ست سنوات وبالتحديد في الأسبوع الأخير من ديسمبر ٢٠٢٤ تركتُ القاهرة في رحلة إلى فرنسا لدراسة إدارة الأعمال أخيرًا بعد حوالي عشر سنوات من ممارستها عمليًا، وسريعًا ما تطور الموضوع لأزور فرنسا والبرتغال وألمانيا والسعودية والإمارات وسنغافورة وإندونيسيا وفيتنام في عام واحد طويل جدًا ومليء بالضغوط والمغامرات والتقلبات والتعلم العميق على مستويات مختلفة.


خلال هذة السنة العاصفة أدركت أني أحتاج إلى شيء يعيد لي التوازن/يمنحني تجربة روحية/يساعدني على فهم مشاعري/أي شيء من هذة العبارات التي لا تحتوي على كلمة كارير أو نجاح أو تفوق أو منافسة، أي شيء هاديء وإنساني وله دلالة فلسفية بحيث لا أفقد الاتصال بهذا الجانب من شخصيتي. اتصلت بصديقي وسألته عن الفيباسانا وهل التجربة أثرت فيه فعلًا فقال لي أنها ”فعلت شيئًا ما في روحه“، كان هذا الرد كفيلًا بأن يجعلني أقلع وأنط، فما كان أحوجني إلى أي شيء يهرش روحي.

عمل فني ضمن معرض للتصوير الفوتوغرافي في المركز الثقافي الألماني بالعاصمة الكمبودية بنوم بنه

عربة طعام في السوق الليلي لمدينة بنوم بنه

وهكذا أمضيت الأسبوع الأخير من ديسمبر ٢٠٢٥ متجولًا في عاصمة كمبوديا؛ جربت مطاعم ومقاهي وزرت شارع المشي الشهير والقصر الملكي وركبت فلوكة في نهر مايكونج وسمعت قصص عن تاريخ كمبوديا من أبنائها الذين تبدو على مخايلهم الفخر وهم يتحدثون عن وطنهم. قبل رأس السنة بيومين انشغلت بمشروع عمل قصير أكل كل النهار ونصف المساء، كنت أتعجل إنهائه لأني من يوم ٣١ ديسمبر سأذهب إلى مقاطعة كامبونج تشام لمدة عشر أيام لن يكون لدي فيها أي اتصال بالعالم.


رهبان يزورون أحد متاحف القصر الملكي في بنوم بنه

في يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥ الساعة ٩ صباحًا بتوقيت كمبوديا كنت أجلس في لوبي الفندق في بنوم بنه العاصمة منتظرًا أن تحدث معجزة ما وأصل إلى مركز تأمل داما كمبوجا في كامبونج تشام، لم تكن لدي أي خطة واضحة عن كيفية الانتقال من هذة النقطة إلى هذة النقطة لكني لم أكن مشغول الذهن بهذا الأمر ولا بأي أمر، فقط أجلس بهدوء أستمتع بالصمت الذي بدأت أستطعمه جدًا مؤخرًا. سألني رجل كمبودي يعمل في الفندق باللغة الخميرية عن ما إذا كنت أريد أي مساعدة، أو هكذا ظننت لأني لا أفهم أي كلمة من اللغة الخميرية، فشرحت له باستخدام خرائط جوجل أني أريد الذهاب إلى هذا المكان، فقال لي لا تقلق، أيضًا باللغة الخميرية وأيضًا هذا تخميني، ثم تركني وخرج لمدة ربع ساعة وعاد ومعه سائق تاكسي وانطلقنا إلى وجهتنا.


صورة ١ من قرية رولوس في مقاطعة كامبونج تشام حيث يقع مركز تأمل داما كامبوجا
اكتشفت بعد الوصول أني وصلت مبكرًا لأن موعد الوصول المطلوب هو ٣١ ديسمبر حتى يتم الانتهاء من اللوجستيات ثم يبدأ الكورس في اليوم التالي، لكن رغم هذا لم يبد أي شخص منزعجًا من وصولي المبكر جدًا. أوصلني حارس المركز إلى مبنى الانتظار وجهز لي غرفة جيدة إلى حد ما وقدم لي العشاء ثم الإفطار في اليوم التالي وقال لي أنني يمكن أن أذهب إلى المبنى الرئيسي في أي وقت لتسجيل حضوري والاستقرار في غرفتي وحضور محاضرة تمهيدية وجلسة تأمل لمدة ساعة ثم النوم مبكرًا استعدادًا لبداية الكورس في الرابعة من صباح ١ يناير، وهكذا بدأت كورس الفيباسانا.

صورة ٢ من قرية رولوس في مقاطعة كامبونج تشام حيث يقع مركز تأمل داما كامبوجا


ما هو Vipassana Meditation؟

 السيد جوينكا مؤسس سلسلة مراكز تأمل حول العالم من ضمنها مركز داما كامبوجا الذي تعلمت فيه التقنية، بالإضافة إلى مركز أبحاث متخصص في هذا الموضوع، يُعرف الفيباسانا بأنها تقنية تأمل قديمة قدم التاريخ لكن تم "إعادة اكتشافها" منذ ٢٥٠٠ سنة على يد السيد سيدهارتا جوتاما (بوذا). ثم انتشرت بعده لمدة ٥٠٠ سنة، واختفت مرة ثانية من كل العالم تقريبًا إلا من عند عدد قليل من الأتباع الصادقين الذين يمارسون التقنية بـ"نقائها الأصلي". وكان هؤلاء الأتباع في المنطقة التي تعرف حاليًا بميانمار، وكانت تعرف في الماضي القريب ببورما، وكانت تعرف قبل ذلك بالأرض الذهبية.

الإعلان عن أسماء المسجلين في كورس تعلم الفيباسانا بمركز تأمل داما كامبوجا (أحد المراكز التي أنشأتها مؤسسة السيد جوينكا)
ويقول السيد جوينكا، والعهدة على الراوي، أن ملكًا من ملوك شمال الهند في عصر سيدهارتا جوتاما كان اسمه الملك أشوكا، وشهرته الملك أشوكا القاسي أو الظالم لأنه كان يهوى التنكيل بخصومه، ثم أنه تعلم الفيباسانا وأصبح اسمه الملك داما أشوكا، أي أشوكا العادل. وأن هذا الملك أرسل المعلمين حول العالم لنشر تقنية الفيباسانا، وكان من ضمنهم اثنان من المعملين توجهوا إلى أرض الذهب، بورما ميانمار، وهما المعلم سونا والمعلم أوتارا، وإليهم يرجع فضل الاحتفاظ بالتقنية بشكلها الحالي الذي يُشار إليه باعتباره "نقي". ثم أتى السيد جوينكا وهو رجل أعمال من ميانمار وله أصول هندية وكان من قادة الطائفة الهندوسية في ميانمار، وتعلم التقنية من معلم ميانماري اسمه سياجي أوبا كين، ودأب على تعميق معرفته بها لمدة ١٤ عام قبل أن يصبح جوينكا معلمًا للفيباسانا ويحمل على عاتقه مسؤولية نشرها حول العالم.

لكن السؤال المهم، 

بجدية، ما هي الفيباسانا؟

من الناحية العلمية، يمكن النظر إلى الفيباسانا باعتبارها تقنية تدريب عقلي-جسدي تعتمد على تنمية الوعي بالملاحظة المباشرة لما يحدث داخل الإنسان، من أحاسيس جسدية وأفكار وانفعالات، دون تدخل أو محاولة تغيير أو قمع. هذا النمط من الملاحظة غير التفاعلية يؤدي، بحسب دراسات علم الأعصاب، إلى إعادة تنظيم في دوائر الانتباه وضبط الانفعال في الدماغ، حيث يقل النشاط المرتبط بالشرود الذهني والاجترار، ويزداد النشاط في المناطق المسؤولة عن الوعي اللحظي واتخاذ القرار الهادئ.

أما على المستوى الفسيولوجي والنفسي، فترتبط ممارسة الفيباسانا بتنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء والتعافي، وخفض الاستجابات التلقائية للتوتر، وهو ما ينعكس على انخفاض مستويات القلق والإجهاد وتحسن القدرة على التعامل مع الألم والانفعالات الصعبة. ومن هذا المنظور، لا تُفهم الفيباسانا كطقس روحي بقدر ما تُفهم كآلية تدريب منهجية تعلّم الإنسان أن يرى التجربة كما هي، قبل أن تتحول تلقائيًا إلى رد فعل أو حكم.

من حيث الممارسة، تقوم الفيباسانا على الجلوس في وضع ثابت ومريح، وتوجيه الانتباه أولًا إلى التنفس الطبيعي كما هو، ثم الانتقال تدريجيًا إلى ملاحظة الأحاسيس الجسدية في مختلف أجزاء الجسد، لحظة بلحظة، دون تفضيل أو نفور. المبدأ الأساسي هنا هو الملاحظة الصافية دون تفاعل، أي دون السعي لإبقاء إحساس ممتع أو التخلص من إحساس غير مريح، مع إدراك أن كل ما يُلاحظ بطبيعته متغير وغير دائم.

أما من حيث التعلم، فتُدرَّس الفيباسانا تقليديًا في دورات تدريبية مكثفة ومنضبطة، حيث يتعلم الممارس التقنية بشكل تدريجي وتحت إشراف معلمين متمرسين، مع الالتزام بالصمت والانضباط الذهني لفترة محددة تسمح ببناء الخبرة المباشرة بدل الاكتفاء بالفهم النظري. الفكرة الجوهرية في هذا المسار أن الفيباسانا لا تُكتسب بالقراءة أو الشرح، بل بالتجربة الشخصية المتكررة التي تُحوّل الملاحظة من مفهوم ذهني إلى مهارة حية. للمزيد شاهد هذا الڤيديو لمحاضرة السيد جوينكا في اليوم الخامس من كورس تعلم الفيباسانا، وهي في رأي من أهم المحاضرات لشرح الموضوع، خاصة الجزء الأول قبل أن ينتقل لسرد قصص وأمثلة تبسيطية.

الحياة في مركز التأمل

ما يميز كورس تعلم الفيباسانا، وما يعرفه الناس به، هو جدول الدراسة الشاق جدًا بشكل غريب، وأول شيء لفت نظري هو أن هذا الجدول ليس مجرد اقتراح وإنما يتم الالتزام به فعليًا من أول يوم وكل يوم بدون أي تغيير من أي نوع! اليوم يبدأ في الرابعة صباحًا وينتهي في التاسعة مساءً وبينهما جلسات تأمل مستمرة لا تقطعها إلا استراحات الطعام وساعة بعد الغداء يمكنك فيها لقاء المعلم وساعة أخرى في المساء تضطر فيها لسماع محاضرة مسجلة من السيد جوينكا، وأي وقت آخر هو وقت لممارسة التأمل بجدية وصرامة.
الجدول اليومي لكورس تعلم الفيباسانا
عنصر آخر مهم جدًا في التجربة هو الصمت النبيل، أحد المباديء الخمسة التي يجب أن يلتزم بها الدارس خلال مدة الكورس في إطار ما يسمى Sila, وهي تشمل المباديء الأخلاقية الأساسية أيضًا مثل عدم الكذب وعدم السرقة، لكن الصمت النبيل هو العنصر الأكثر لفتًا للانتباه في مباديء Sila لأنه يضيف مستوى آخر من الصعوبة للتجربة، فالصمت يشمل عدم الحديث مع الطلاب الآخرين إطلاقًا ولا حتى تبادل الإشارة بالتحية أو الإيماء أو النظر المباشر، ويُطلب من الجميع وضع هواتفهم وأي كتب أو أوراق أو أقلام في خزانات صغيرة في غرفة مخصصة لذلك ويحتفظ الطالب بالمفتاح لكن لا يستطيع دخول هذة الغرفة، وبهذا يتم خلق حالة من الشعور بالعزلة التامة لدى كل واحد فينا بأنه يندمج مع آخرين في تجربة إنسانية عميقة دون أن يتاح لنا معرفة أي شيء عن بعضنا البعض.

وعلى صرامة التجربة والكم الهائل من الجهد المطلوب توقعت أن يغادر عدد كبير من الطلاب قبل انتهاء الكورس، لكن لحسن الحظ لم تحدث أي مشاكل لأي طالب باستثناء شخص واحد لم يتمكن من الالتزام بالجلوس لمدة طويلة لظروف صحية وغادر في اليوم الرابع، عدا ذلك أكمل الجميع الكورس حتى النهاية.

وكان عدد الطلاب المسجلين في الكورس رقم ١٣٥ الذي اشتركت فيه حوالي ٩٠ طالب وطالبة، ثلثيهم من النساء والثلث من الرجال تقريبًا، ويشرف عليهم معلم ومعلمة. وينقسم المركز إلى قسمين متساويين تمامًا، قسم للرجال وآخر للنساء ولكل منهما مدخل منفصل، وفي كل قسم توجد صفوف من الغرف للطلاب والمتطوعين للخدمة الذين هم أيضًا طلاب في كورسات سابقة، لكن عند التسجيل في كورس للمرة الثانية يجب أن تحضر كمتطوع للخدمة وليس كطالب، والطلاب المتطوعون يعتبرون حضور الكورس كمتطوعين أيضًا حضور كامل لدراسة الفيباسانا لأنه تتاح لهم فرصة ممارسة معظم جلسات التأمل جنبًا إلى جنب مع خدمة الطلاب وتحضير الطعام ومساعدة المدرس، التي هي في حد ذاتها عمل إنساني يزيد من قدرة الشخص على الاستفادة من دراسة التأمل، حسب ما يراه متطوعون تحدثت معهم.

ويوجد أيضًا غرفة الطعام الكبيرة وهي مقسومة إلى قسمين متساويين ومنفصلين للرجال والسيدات، وفي نهاية المركز توجد قاعة الداما Dhamma Hall وهي المكان الأساسي الذي يجتمع فيه جميع الطلاب مع المعلمين لممارسة جلسات التأمل، وغير مسموح بتصويره لكنه يشبه إلى حد كبير تصميم المساجد الإسلامية الكبرى، وله بابان أساسيان يفتح واحد منهم على قسم النساء وواحد على قسم الرجال، وبابين جانبيين للمعلم والمعلمة، وبابين آخرين جانبيين يدخل منهما مساعدو المعلمين. وعند الجلوس يجلس الرجال في جانب والنساء في جانب آخر وبينهم ممر، وترتيب الجلوس يكون بحيث يجلس الطلاب القدامى، الذين حضروا كورس واحد أو أكثر قبل ذلك، في المقدمة، وخلفهم الطلاب الجدد، وكل فئة يترتب الجالسون فيها حسب العمر، بحيث يكون أقرب شخص للمعلم في الصف الأول هو أكبر الطلاب القدامى سنًا، وآخر شخص في الصف الأخير هو أصغر الطلاب الجدد سنًا. وعلمت فيما بعد أن بعض الجالسين في الصف الأول هم من المخضرمين في تأمل الفيباسانا وبعضهم حضر هذا الكورس أكثر من عشرين مرة في بلاد مختلفة، وأغلبهم أيضًا حضر الكورسات الأطول التي تمتد لـ٣٠ يوم أو ٤٥ يوم.

والطعام كان يعده متطوعون في مطبخ كبير وهو في المجمل طعام نباتي من مكونات بسيطة ومطهو بطريقة صحية. شخصيًا بعد اليوم الثاني بدأت أشعر بتحسن ملحوظ في الهضم وارتياح لم أعتده من قبل. لكن الطلاب الكمبوديين كانوا انتقائيين بعض الشيء وقالوا أن الطعام كان يمكن أن يكون أفضل، ربما يكون السبب هو أنها وصفات كمبودية تقليدية والناس لديهم تفضيلات دقيقة في طعامهم المعتاد، بينما نحن الطلاب الأجانب بشكل عام أعجبنا ما يُقدم لنا.

 غرفة رقم ٣١ في مركز تأمل داما كامبوجا حيث قضيت ١١ يوم

تجربتي الشخصية مع الفيباسانا

بدأت ممارسة التأمل منذ عدة سنوات لتحسين التركيز والمساعدة على الاسترخاء، تعلمت في الكورس أن التأمل الذي كنت أمارسه يسمى تأمل الأنابانا Anapana Meditation، وهو ببساطة التركيز على عملية التنفس ومحاولة إفراغ الذهن من أي فكرة أخرى، وهو يحقق فوائد فعلًا لكنه لا يصل لمستوى التأثير العميق الذي من المفترض أن يحققه تأمل الفيباسانا Vipassana Meditation.

الأيام الثلاثة الأولى من الكورس ركزنا فيها على تأمل الأنابانا، لتحسين التركيز وتأهيل الذهن قبل بدء مرحلة الفيباسانا، وفي جلسة بعد الغداء في اليوم الرابع بدأ السيد جوينكا، عبر تسجيل صوتي في قاعة الداما Dhamma Hall إعطاء تعليمات بدء ممارسة تأمل الفيباسانا، وبدأت أنفذ التعليمات بهدوء في البداية ثم بإرهاق شديد وشعور بالرهبة بعد ذلك إذ بدأت التعليمات تتسارع وبدأت باستكشاف طرق جديدة يعمل بها العقل البشري لم أكن أعرفها مسبقًا.

بدأت التعليمات بأن طلب منا السيد جوينكا أن ننقل التركيز من منطقة الأنف لمراقبة التنفس إلى منطقة أعلى الرأس ومحاولة الشعور بأي شيء تحس به في هذة المنطقة من الجسد، ثم التركيز على منطقة الرأس بالكامل ثم الوجه ثم الكتفين وهكذا حتى تستخدم ذهنك في استشعار أي شعور حسي في كل الجسد بالتدريج، والشعور قد يكون أي شيء: ألم/لمس الهواء للجلد/لمس الملابس للجلد/شعور بالحكة/رعشة خفيفة/التهاب خفيف/نبض/أي شيء، المهم أن لا يفوتك أي شعور وتبدأ بالتركيز مع كل ما يحدث على جلدك لكن بشرط مهم جدًا وهو عدم خلق أي شعور بالتفضيل أو النفور من هذا الشعور، فقط مراقبته.

التعليمات تبدو مباشرة لكن عند تنفيذها عمليًا لأول مرة كانت مرهقة جدًا، ورغم أني الآن أجد سهولة نسبية في ممارسة الفيباسانا لكن أحيانًا عندما أكون مرهق جدًا يكون الأمر شاق، وأحيانًا لا أستطيع الشعور بأي شيء في منطقة معينة وعندها يجب إبقاء التركيز الذهني على هذة المنطقة حتى يلتقط المخ أي شعور صادر منها. وفي مرحلة متقدمة يمكنك تحريك الذهن لعمل مسح كامل للجسد من أعلى لأسفل أو العكس والشعور بكل الجسد بالتدريج، وفي مرحلة أخرى يمكن الشعور بالجسد كله دفعة واحدة.

الهدف هو تدريب الذهن على ملاحظة ما يحدث في الجسد ملاحظة محايدة دون خلق أي تفضيل أو نفور، لأن النظرية الأساسية هي أن المشاعر تبدأ كانفعالات في الجسد ثم يستجيب لها المخ بخلق الشعور، وإذا درب الإنسان ذهنه على ملاحظة الجسد بوعي شديد لكن عدم الاستجابة له تلقائيًا فإنه يمتلك حينها سلطة على مشاعره، ليست سلطة قمع المشاعر والتحكم فيها، وإنما سلطة عدم إنتاجها أصلًا، فبدلًا من أن تعيش في تعاسة لأنك تقمع مشاعر اللهفة والخوف والقلق ولا تريد إظهارها أو تحويلها إلى أفعال، تعيش في سعادة وهدوء لأنك في كل المواقف تتمكن من عدم إنتاج هذة المشاعر السلبية من الأساس، وهو ما ينعكس بالضرورة على النجاح في العلاقات الاجتماعية والعمل وبث طاقة إيجابية تصل للمحيطين بك.

لم أكن أفهم هذة النظرية في اليوم الأول ولا الثاني، ولا أي يوم بعدهم حتى اليوم الثامن عندما بدأت أستوعب كل الجانب النظري، ذلك لأن جلسات التأمل لا يتم شرح النظرية فيها وإنما تعليمات مباشرة للتطبيق النظري، وفي المحاضرة المسائية لا يتم شرح النظرية بالكامل وإنما ما يكفي حتى تفهم ماذا فعلناه اليوم وما سنفعله غدًا، وإجابات المعلم على الأسئلة تكون مقتضبة ومقتصرة على شرح التقنية والجانب العملي ومتابعة التقدم في القدرة على تنفيذ التعليمات أثناء الجلسات. لذلك كنت أشعر بإحباط وغضب ومشاعر سلبية أخرى في الأيام الأولى نتيجة المعاناة الشديدة من نظام التدريس الصارم والجلسات الطويلة التي تسبب ألم جسدي مبرح وإرهاق ذهني لا يوصف، يأتي ذلك مع شعور بالحيرة من جدوى ما أفعله.

وبعد الأيام الثلاثة الأولى التي ركزنا فيها على تأمل الأنابانا شعرت بتطور ملحوظ في قدراتي الذهنية، بدا ذلك في تمكني من تذكر قصائد شعرية طويلة جدًا وسور من القرآن بدقة شديدة وقرائتهم غيبًا، وكذلك تذكري لتفاصيل كثيرة من حياتي كنت نسيتها أو كانت مشوشة، والأهم من ذلك أن قدرتي على التحليل وربط الأحداث ببعضها وربط المقدمات بالنتائج والموضوعية في الحكم تحسنت بشكل كبير حتى تمكنت من فهم تعقيدات في علاقاتي الاجتماعي وتجارب في العمل لم أكن أفهمها من قبل.

في اليوم العاشر سُمح لنا بالحديث مع بعضنا البعض بدون استلام هواتفنا أو الخروج خارج المركز، والغرض من ذلك هو أن نشارك تجاربنا ونتعرف على بعضنا البعض تمهيدًا للخروج للعالم بعد هذة التجربة العميقة، وقد تحقق هذا الهدف تمامًا حيث أنه في اللحظة التي سُمح لنا فيها بالحديث، في الساعة التاسعة صباحًا من يوم ١١ يناير، انطلقنا جميعًا نتحدث مع بعضنا البعض بعمق وانفتاح وتركيز عالي، وقد كانت هناك مجموعة صغيرة من الطلاب الأجانب تكونت بيننا رابطة نفسية بشكل ما لأننا نجتمع في مبنى صغير بمفردنا وقت المحاضرة المسائية كل يوم لنتلقاها باللغة الإنجليزية، كما أن معظم الطلاب الكمبوديين لا يتحدثون الإنجليزية ولا أحد فينا يتحدث اللغة الخميرية وبالتالي أصبح خيارنا الوحيد هو التحدث مع بعضنا البعض، ولم نضيع هذة الفرصة.

صورة لحظة الخروج من مركز تأمل داما كامبوجا لمجموعة من الطلاب الأجانب في قسم الرجال
من اليمين: راتان (فرنسي/كمبودي)، ريك (هولندي)، أليكس (أمريكي)، ماثيو (أمريكي)، عمر (مصري)، خوان (أرجنتيني)

وبمشاركة تجاربنا اتضح لي أن كل واحد فينا كانت لديه تجربة فريدة، ذلك أن الكورس مصمم بشكل موحد لكن البشر مختلفون عن بعضهم بعمق، والناتج هو محصلة المدخلات والنظام والمُستقبِل. حتى أن كل واحد فينا كان لديه يوم محدد هو أصعب يوم وسبب مختلف للمعاناة في هذا اليوم، وكل واحد فينا توصل إلى فهم مختلف لنفسه في لحظات التدبر التي نفكر فيها بذهن صافي. لذلك عندما يسألني أصدقائي عن رأيي في الموضوع بشكل عام وما إن كانت تستحق التجربة؛ أوضح أن أقصى ما يمكنني فعله هو شرح الظروف والنظام وضبط التوقعات، لكن إذا قررت أن تخوض التجربة بنفسك سيكون لك انطباعك الخاص.

شخصيًا، ما دفعني لحضور كورس الفيباسانا هو أني كنت أمر ببعض التعقيدات في حياتي طالت مدتها ولم أستطع الوصول إلى حل جيد لها على المستوى العقلي (intellectual level)، فرغم أني أفهم الأمور بشكل جيد وأستطيع تحليلها لكن لدي شعور قوي بأن فهمي سطحي وأني أحتاج لفهم أعمق حتى أستطيع الوصول إلى تغيير حقيقي.

وقد ساعدني تعلم تقنية تأمل الفيباسانا على ذلك عن طريق توجيه وعيي ناحية ملاحظة سلوكي أكثر من سلوك الآخرين، وكيف أن التحكم في عملية إنتاج المشاعر يؤدي لتغيير جذري في رؤية العالم، وإلى زيادة تحمل المسؤولية عن مجريات الحياة وبالتالي تتجه موارد العقل والجسم ناحية حل المشاكل بإيجابية. كل هذا يبدو سهلًا على المستوى العقلي النظري لكن تغيير السلوك الدائم للذهن بحيث يتبنى هذة الأفكار على المستوى العملي الدائم يتطلب تدريب شاق وطويل.

وبكتابة هذة التدوينة والتفكير في التجربة، أستطيع أن أؤكد أنها كانت تجربة جيدة جدًا بالنسبة لي، وأني أشعر بصفاء ذهن عالي وتعلمت تقنيات تأمل جديدة وأصبحت أشعر بارتياح وهدوء وأنا أمارسها الآن بالشكل الصحيح. ربما سأكرر التجربة لاحقًا في نفس المركز أو في أحد مراكز تأمل الفيباسانا المنتشرة حول العالم.

صالة المغادرة في مطار تيكو الدولي، بنوم بنه، كمبوديا